الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

172

نفحات القرآن

فإن أراد هؤلاء - بهذه التفاسير - اقناع الماديين ، فإنّهم لن يقتنعوا بها ، وإن أرادوا نفى وقوع الظواهر الخارقة للقوانين الطبيعية فهذا ممّا لا يرتضيه المؤمنون ولا المخالفون أيضاً . قصة قتيل بني إسرائيل : الحدث الأخير الذي ورد ذكره في القرآن المجيد كمثال ملموس لإحياء الموتى في هذه الدنيا هو القصة المتعلقة بفئة من بني إسرائيل . في هذه القصة يُقتل أحد الشخصيات البارزة منهم غيلةً ، فيقع بينهم شجار عنيف من أجل العثور على القاتل ، فكل قبيلة منهم تتهم القبيلة الأخرى بارتكاب القتل ، وخوفا من اتساع رقعة النزاع بينهم بما يهدد بخطر جسيم ، لذا فانّهم ذهبوا إلى موسى عليه السلام راجين منه الحل ، فما كان من موسى عليه السلام إلّاأن حل هذه المعضلة بواسطة الاستعانة بألطاف اللَّه تعالى عن طريق معجزة آمن بها الجميع . فقد أمرهم بذبح بقرة لكن ذبحها لم يتم بسهولة طبعاً ، فقد عاد إليه المتذرعون من بني إسرائيل كراراً للسؤال عن أوصاف تلك البقرة وأخّروا انجاز ذلك العمل بهذه الأسئلة التافهة الفارغة ، وأخيراً ذبحوا بقرة تحمل أوصاف معيّنة وضربوا القتيل بجزء منها فعاد مدّة وجيزة إلى الحياة وكشف عن قاتله . وجاء في القرآن الكريم في القسم الأخير من هذه القصة قوله تعالى : « وَاذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ( فتنازعتم فيها ) وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعقِلُونَ » . ( البقرة / 72 - 73 ) والعجيب في هذه القصة هو أنّ الضرب بقطعة من جسم « ميت » بجسد « ميت آخر » يؤدّي إلى إحيائه لإحقاق الحقيقة ! ، فما هي العلاقة بين هذين الأمرين ؟ وما هو المؤثر في ذلك ؟ بديهي أنّ هذا من الأسرار الإلهيّة التي لا يعلمها أحد إلّاذاته المقدّسة ، فهو لا يوضّح أكثر من ذلك بل يقتصر على الاستدلال بهذا وهو أنّ إحياء الموتى في عالم الآخرة أمر يسير